الارتداد نحو الماضي رحلة البحث عن ذاكرة تختزل الموروث في تجارب الفنان المُغترب فاضل نعمة

%d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9
بقلم : د. شوقي الموسوي
فنان وناقد تشكيلي
ثمة سرديات في الرسم العراقي المُعاصر ، تمفصلت بمجموعة من الموتيفات الواقعية والاحداث اليومية التي تُعد من وجهة نظر الفنان في العصر الحديث جزئيات حكائية ، تكوِّن فيما بعد تشكيلات جديدة حقيقية ، بفعل التفاعلات الحكائية الاساسية والتي يستعين بها الفنان من أجل التعبير ؛ اذا مااعتبرنا ان الفن حجة للتعبير على حد قول الرومانسيين . فالفنان العراقي في قرن الحروب ، نجده قد انتج العديد من التكوينات المتمردة على المألوف ، التي تُسيح بذهن التلقي سردياً بين أزمنة الحكاية ، لنجده في النهاية يؤرخ زمنه الجديد المرتبط به ذاتياً بعبيداً عن فلسفات الوصف التي لا تهتم سوى بالجزئيات في وجودها الآني والتي تُعرقل سير الزمن وتقذفه في زاوية احادية ، بل نجده في أغلب الاحيان يقترب من السرد الذاتي الذي يمفصل أحداث ذاكرته البكرية والجمعية ذات الطابع التخييلي الى حدٍ ما مع الوقائع الجديدة ، ليُعطينا نصاً يزخر بالعلامات والاشارات التي تختزل الموروث .
ونلاحظ ان التشكيلي العراقي المغترب بشكل عام والفنان فاضل نعمة بشكل خاص ،لا يقوم على عنصر السرد (القص) بمفهومه التقليدي في تأسيس تكويناته ، بل نجدهُ يتعدى هذه الدائرة الضيقة باتجاه السرد التكاملي الذي يقترح اشكالاً جديدة ذات طابع حركي ديناميكي من صور متحركة وإشارات وعلامات وممارسات ايمائية وأجزاء من جُمل اعلانية ودعائية وماركات تجارية عالمية وشعبية وايقونات عصرية جسدية مُحتفل بها عالمياً ، تتجاور مع أخريات تراثية بفعل طباعي ، تشتغل معاً داخل فضاءات اللوحة بفعل تقنيات الحداثة ومابعدها ، تدمج مع مواد غريبة هامشية مقذوفة في الواقع ، يستعين بها الفنان لاقتراح زمنه الحقيقي الجديد . فاضل نعمة يُحاول ان يبتعد بالسرد عن النزعات التفسيرية الوصفية المتواجدة حالياً في الفن ، فضلاً عن يقينه بعدم وجود ثوابت أو قناعات قديمة ، فكل شيء لديه متحوّل ومتغير ومُتبدل وفي زوال .
تشظيات الذات :
بحكم الحروب والاحتلالات المتكررة والتي شُنت على الوطن ، وماخلفته من عذابات وتشظيات للذات ، قادت الى توجيه الفن العراقي المعاصر الى التحرر من السياقات الواقعية الاحادية ذات الصوت الواحد باتجاه تقنيات مابعد الحداثة التي احتفلت بالمُهمش والمُهمل والمتشظي تناولها الفنان كموتيفات من الواقع بحدود مواضيع عديدة ( الحرب والسلام – الموت والحياة – الحب والحرب – الوطن الجديد القديم – المدينة المقدّسة – عزلة الذات – أجساد مغتربه …) للامساك بالهوية المؤجلة ، وبمساعدة آليات التخييل وتقنيات طباعية تركيبية ، تقوم بتحليل المرئيات ومن ثم تفكيكها لاجل تركيبها واعادة صياغتها من جديد والتي أعطت فضاءاً رحباً لاشتغالات الرمز والرمزية .. مثل هكذا سياقات فكرية وسايكولوجية وابستمولوجية ، قادت الفنان فاضل نعمة الى الانشغال بالرسم لتوثيق الالامه وافرازات اغترابه خارج حدود الجسد الجغرافي للوطن ،حيث تبنّى السردية التلقائية لموضوعة الحرب وانعكاس الاثر على الذات المغتربة ، انه يتفق ذاتياً مع مقولة الرومانسي ديلاكروا حين قال : ( أعمل لكي لا تتألم ) .
موتيفات المرجع :
ثمة تقابلات بين المرجع ونصوص الفنان فاضل الكرافيكية ، الآنية ، الذاتية ، في تصوير الازمنة المتراكمة ، بعيداً عن أصنام البعد المكاني ، هذه المقاربات وجدتها قد برزت في تكويناته الكرافيكية الاخيرة التي شاهدناها في معرضه الاخير في مدينته الفردوسية (كربلاء) بداية هذا العام ، التي احتوت على طاقات رمزية ذات مرجعيات حضارية متموضعة في أغلب اشكاله المقترحة ( حروف عربية واجنبية طباعية – صور ايقونية – اعلانات متحفية – ايقونات – أجساد – اشارات ورموز حضارية – اشكال هندسية – عناصر تراثية …) ، هذه الطباعية وبطبقات متراكمة على السطح التصويري بجانب الاستفادة من آليات السرد ، اعطى للتكوينات دلائل الممكنات الانسانية التي تُنتج بفعل الاحداث والمرويات التاريخية المدونة ذهنياً وبصرياً ؛ بحيث يؤلف الفنان هذه السرديات على وفق ذاكرته التاريخانية الجمعية التي تُسيح بذهن التلقي الى الاعماق (العذابات) بحدود مقولات المرجع من تراث حضاري واسلامي وطقوس وواقع مُعاش ، تضفي أزمنة جديدة الى الحدث الآني وتبين الاثر.
تراكب المتناقضات وتوالي التراكمات :
يُنقب الفنان فاضل نعمة في الجسد الثقافي عن كل ماهو مخفي ، كغيره من الفنانين العراقيين المغتربين ( هناء مال الله – ضياء الخزاعي – سلام عمر – عبدالكريم السعدون – كريم سيفو – غسان غائب – اسماعيل خياط – زينة المظفر … ) لاجل اقتراح صور جديدة للوطن على أسطح الهياكل المحسوسة (اللوحة) كبديل لمحنة الاغتراب .. فالفنان في كل المرات يُحاول جاهداً جمع ثنائيات الوجود (المتناقضات) في جسد واحد من خلال تقنيات كرافيكية طباعية ، لايهمهُ النتائج بل التفاعل الآني بصرياً فيصبح الجدل الديالكتيكي بين عناصر التكوين الفني الواحد هدف بنائي ، يُساعد على تحليل مفردات واقعه الجديد المغترب – هولندا – ومن ثم تركيبها وفق منظور تراكمي يحتفل بالالوان والخطوط الطوطمية وبعض التكوينات الهندسية . ففن الكرافيك فن الخبرة والجمال والاكتشاف يتفق مع مقولة بيكاسو : ( انني لا أبحث ولكني أكتشف ) ، كونه يتمرحل بالصورة عبر مراحل طباعية متعددة الطبقات والتقنيات . فبالرغم من تبني الفنان في نتاجاته منهجاً سردياً يتجانس فيه الطابع الموضوعي (ايقونات صورية جاهزة) ، مع الطابع الذاتي (خطوط غير منتظمة)، الا انه بفعل مظاهر الحداثة من عمليات التحديث والتسطيح والتمويه والتحوير والتلصيق يُقدم للمتلقي مشاهد تصويرية رائعة تبث تأويلات ودلالات رمزية جديدة تدعو المتلقي الى التنقيب في الاعماق بدلاً من السطوح ؛ بمعنى ان الفنان يحاول ان يُدمج الموضوعي مع الذاتي جدلياً في ذهن المتلقي لحظة فعل القراءة ، للوصول به الى النسق العام المُسيطر على البنى العميقة المتخفية وراء الاشكال المتمظهرة بصرياً . مما يؤدي بنا الى استنشاق ازمنة الماضي الجميل الذي يود الفنان استجلابها سردياً فتتراكم الاحداث بفعل الاغتراب التي عاشتها الذات الانسانية عبر وسائل التقرير والتأطير والتقويس .
فالتكوينات الكرافيكية للفنان ، لم تتشكل دفعة واحدة وانما وجدنا الزمن القديم للجماعات الانسانية وذاكرتها البكرية ، يلتقي مع الزمن الجديد زمن الحروب وغربة الاوطان الحاوي على المتناقضات ، فينتج نسيج متحاور ومتجاور يؤرخ زمن العولمة بما فيه من ايديولوجيات وثقافات متجاورة ، فهو يسرد حكاياته ويختزلها عفوياً فيُفصح من خلالها عن مكنوناته ويوثق سيرته الذاتية كرافيكياً ( الطباعة – الحفر – التقطير – القشط – التلصيق – التحوير – التعبير …) فيسيح بنا الى ذاكرة مدينته القديمة المحمَّلة بالروحانية والرمزية .
ذاكرة المدينة وبانورامية المشهد التصويري :
انطلاقاً من موضوعة الذات المغتربة في الرسم العراقي المعاصر ، وبحكم تعددية الايديولوجيات بعد الحرب الاخيرة ودخول حداثات مابعدية مؤثرة بافكارها وتقنياتها وثقافاتها السمعية والمرئية والخبرية ، جاءت نتاجات الفنان فاضل نعمة تدعو الى العودة الى الفطرية بفعل الحنين الى الاوطان (المدينة المقدسة) والتي تمنح اشكاله شيئاً من الحياة والجمال والجلال . فاضل نعمة الانسان والفنان والصديق ، عاش في مدينة كربلاء الممتلئة بالجذور التاريخية والمتوشحة بأفكار الملحمة الحسينية المقدسة ، والتي تزخر بالتجمعات البشرية والنباتية (البساتين) والطقوس الدينية (الشعائر الحسينية) التي تحتفل بها المدينة من كل عام وما يعتليها من مسيرات حاملة للرايات الملونة والحمراء وتشبيهات الواقعة والاجواء الايمانية فضلاً عن ذكريات الفنان مع الاصدقاء عن الازقة الضيقة للمدينة القديمة وشناشيلها الغنية بالعناصر الزخرفية النباتية والهندسية ،فضلاً عن مدينته الآخرى بغداد وبما فيها من تراث حضاري وثقافي وتاريخي وصولاً الى مفردات مدينته الجديدة البديلة في هولندا .. ، هذه التراكمية المعرفية الفسيفسائية المشهد والزاخرة بالموتيفات قد ساهمت في تشييد المرجعية الاساسية لذاكرة الفنان وجعلته يتيقن بان الجمال لايمكن ان يكون مجرد محاكاة للمرئي ، وانما يتموضع في الاعماق ينبثق من فكرة التجاور والتجنيس والتراكم (حوار الحضارات) ، من هُنا راح الفنان يزاوج الافكار مثلما يجاور خاماته وتقنياته الطباعية وأشكاله المقترحة آنياً بفعل عمليات التركيب ، لصالح الجمال ، فتتداخل الاشكال الجديدة بألوانها وخطوطها وفضاءاتها المقترحة كما تتداخل الروح والجسد معاً .
فقد اصبح الفن العراقي المعاصر بفعل الحروب وثقافة الاغتراب وفلسفة الاستهلاك التي أدمن عليها الآخر الداخلي ، فن يُقدس المُهمش (المُهمل) والمبتذل والرخيص والشيء الجاهز والآثار السايكولوجية والسوسيولوجية والانثروبولوجية ويدعو الى الاكتشاف والرجوع الى الفطرية والى تأسيس جماليات جديدة تنسجم مع الذات المغتربة ، فيصبح الفنان حينذاك انسان تجميعي الى حدِ ما ، يقوم بتحويل وظائف الاشياء الاولية الى وسائل وغايات ، ينتج عنها علاقات جديدة تحتفل بالمُهمش على حساب المألوف فيصبح الاسلوب هو الانسان .

عن مجلة تشكيل العدد السابع

من هو الفنان فاضل نعمة
ــ من مواليد العراق / كربلاء / 1964
ــ بكالوريوس فنون جميلة / بغداد / 1994
ــ دبلوم عالي رسم من الاكاديمية الملكية /لاهاي/ هولندا / 2002
ــ ماجستير تقنيات طباعة – كرافيك من الاكاديمية الملكية / لاهاي / هولندا / 2009
ــ عضو جمعية التشكيليين العراقيين
ــ عضو نقابة الفنانيين العراقيين
ــ عضو مؤسسة Ink المتخصصة بالكرافيك – 1990
ــ له معارض مشتركة عديدة داخل القطر وخارجه منذ عام 1992
ــ له معارض شخصية 🙁 الاردن / 1995 ) (فيينا /النمسا / 1997)(برونسوم /هولندا/1998) (فوربورخ/هولندا /2003)(برلين/2003) (الخرطوم/2008)(العراق /كربلاء 2010)
ــ له معارض مشتركة وجماعية (المانيا 2002 – هولندا 2004 – الهند 2007 – سوريا 2007)
ــ الموقع الالكتروني للفنان : www.fathelneema.com

%d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-6 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-7 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-8 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-9 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-5 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-4 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-3 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-2 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-11 %d9%81%d8%a7%d8%b6%d9%84-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9-10
image_pdfimage_print

Facebook Comments

Comments are closed.