مقدمة في العاجيات الآشورية

تواصل الآشوريون مع إرثهم الحضاري في تقنيات نحت العاج، التي قدمّوا منها نماذج فنية جميلة للفكر الانساني منذ عصرهم الوسيط، حَبس صغر حجوم القطع العاجية حرية الفنان .. ولم يتح له الفرصة لتمثيل المواضيع الاستراتيجية في الفكر الآشوري .. التي تتطلب مساحات تصويرية واسعة لسرد الاحداث الحياتية والدّينية المرتبطة بنشاطات الملوك، وفي (ملمح) آخر: ساعد صغر حجومها وخفتها الى سهولة تداولها في البلاط الآشوري .. ومع الممالك المجاورة .. مما جعلها وسيلة فاعلة للمثاقفة مع الآخر المختلف .. بالاخص في القرون (التّاسع والثّامن والسّابع قبل الميلاد).
أحبَّ الملوك الآشوريون القطع العاجية: كونها تلبي ذائقتهم الجمالية الارستقراطية .. فاكثروا من استخدامها في تزيين أثاثهم الملكي: كالكراسي والأسرّة والعروش، وقدمّوا نماذج جميلة منها كهدايا لزوجاتهم المدللاّت: التي كانت بشكل اوعية لحفظ حلي الزّينة .. ودبابيس لتثبيت الشّعر .. وامشاطاً انيقة لتصفيف شعورهن المسترسلة الطّويلة. ورغم كون تداول القطع العاجية كان محصوراً في دائرة العوائل الملكية بامتياز، إلا ان بعض القطع العاجية التي شُكّلت بشكل رموز دينية .. وجدت لها استخدامات أخرى .. إذ كانت تُثبت على بوابات القصور والمعابد الخشبية .. وعلى مقدمات العربات الحربية .. او في اعلى الرّايات الآشورية الملونة، كونها تُعد بمثابة العوذ السّحرية التي تُبطل النّحس وتجلب الخير .. لمن آمنوا بها دون نقاش.
حصل الآشوريون بيسر على كميات كبيرة من خامة العاج: بفعل هيمنتهم العسكرية وامتداد سطوتهم السّياسية على بقاع واسعة من العالم، فكانت انياب الفيلة تقدم بسخاء كهدايا او جزءً من بضائع الجزية من قبل الممالك المغلوبة: لمقام سيدها ملك بلاد آشور، وفي أسوء الاحوال كان يتم الحصول على هذه المادة عن طريق التّجارة مع شمال سوريا ومصر والهند وافريقيا والاناضول وغيرها من المناطق التي تحتكر اجود انواع العاج بصدد خاصيتي كبر الحجم وتماسك جزئيات القطع العاجية. إذ يصور مشهد المسلة السّوداء للملك (شيلمنصر) الثّالث: طابورا من حاملي حُزم الانياب العاجية .. التي أرسلت كهدية للبلاط الآشوري.
ان فكرة الجمال في التّماثيل والمنحوتات البارزة العاجية: تتركز بنوع من العلاقة بين وظائف القطع العاجية .. وخاصية الخامة السّحرية المشيدة منها على وفق القيم الجمالية المتحركة في بنية الفكر الملكي الآشوري، إذ اجتازت ذوات الملوك نوعاً من النّزعة الباحثة عن تفعيل التّعبير في منظومة الاشكال: بدلالة جماليات خامة العاج: بصدد تماسك ذرات مادتها .. ولمعان سطوحها .. وندرتها .. وجمالية لونها الذي يَسّر النّاظرين.
تنوعت تقنيات نحت العاج عند الآشوريين بعدة آليات إظهار .. بفعل خبرتهم المتقدمة القائمة على التّجريب المستمر في هذا المجال، يمكن تسمية فعل الإظهار الاول بالرّسم على السّطوح العاجية .. فبعد ان يتم تنظيم قطعة العاج على شكل شريحة رقيقة بموجب حسابات هندسية دقيقة .. يُخطط المشهد المطلوب على سطحها بأزميل حاد .. وتملأ الخطوط المحفورة بلصاق أحمر او أسود في اغلب الاحوال .. ليبرز الشّكل ذو الحدود الجغرافية الملونة جَليّاً على السّطح العاجي.
في حين أُنجزت نماذج عاجية اخرى: بتقنية النّحت البارز Relief .. إذ تحفر الارضية العاجية التي تقع خارج حدود الاشكال الى عمق قليل .. فَيفضي تفاوت مستويات النّحت: الى وضوح المشهد النّحتي، الذي يبرز في بعض الاحيان على ارضية ملونة .. بفعل ملئها بالالوان المرغوب بها.
وابدع الآشوريون تقنية ثالثّة مستخلصة من الطّريقتين الاولى والثّانية: إذ يتم حفر الارضية المتروكة بعد تخطيط المشهد الذي تُحفز تفاصيله الدّاخلية كذلك .. ويتم مليء الاشكال والارضية بألوان متباينة كالأحمر والازرق والأسود .. فيتحول المشهد الى كرنفال لوني، فيما تفردت بعض النّماذج بتطعيمها بمواد ثمينة بَراقّة كالذّهب والفضة والاحجار الملونة .. وذلك بمثابة الغاء لخاصية التّجنيس في آليات إظهار أنساق الاشكال العاجية.
عمل في التّنقيب عن العاجيات في بلاد آشور: عدد من الرّحالة والآثاريين البريطانيين، الذين يمكن ترتيب جهودهم الاستكشافية على وفق التّراتبية التّالية: “اذ بدأ التّحري الرّحالة البريطاني المشهور (أوستد هنري لايرد) (1845-1847م)، الذي عاود نشاطه بمعونة (هرمز رسام) في الاعوام (1849-1854)، واعقبه الرّحالة الانكليزي (لوفتس) (1854-1855م)، فيما واصل التّنقيب من بعدهم الانكليزي (جورج سمث) (1873-1874م)، وتُوجّت تلك الجهود باكتشافات الآثاري (ماكس ملوان) (1949-1958م) الذي استظهر مجاميع قيمة من العاجيات في نمرود، فيما كانت خاتمة تلك الجهود الاجنبية من حصة (ديفيد أوتس) في الاعوام (1960-1963)” (العبيدي، 2008، ص82-83). ولا ننسى الجهود الكبيرة التي بذلتها بعثات الاكتشاف العراقية بين الاعوام (1956-1975م) .. التي تركزت بالبحث عن العاجيات وبالأخص في بئر مدينة نمرود، ورغم المخاطر التي رافقت عملها .. فانها تمكنت من اكتشاف بعض الرّوائع العاجية التي ساهمت بشكل فاعل في بيان اهميتها بالنّسبة للنتاج الآشوري الضّخم من الابداعات الفنية.
اكتشفت بعض الرّوائع العاجية في بئر عميقة بمدينة خرسباد (دور شروكين) عاصمة الملك (سرجون) الثّاني، ويرجح انها أُخفيت بالبئر حفاظاً عليها .. بفعل تردي الاوضاع الأمنية ومرور البلاد بفترة عصيبة بعد مقتل الملك في احدى المعارك الحربية خارج البلاد، فيما أُستظهرت معظم القطع العاجية واكثرها اهمية من بئر وصل عمقها الى سبعين قدماً في مدينة نمرود (كالح)، وذلك يؤكد اهمية التّحف العاجية بالنّسبة للآشوريين .. فوجودها في الآبار لم تكن طريقة عرض جمالية قط .. وانما وسيلة للحفاظ عليها من تطاول الاعداء.اما اكبر المجاميع من العاجيات فقد اكتشفت في الحصن الحربي الشّهير للملك (شيلمنصر) الثّالث في مدينة (نمرود) .. إذ خُزنت كغنائم حربية في احدى غرف البناء الذي عُرف إثر ذلك باسم: مبنى العاجيات.
لا يختلف اثنان: حول أصالة وتفرد وتميز الاسلوب الفني الآشوري .. عن اساليب الحضارات المجاورة كالفينيقية والمصرية والميتانية في شمال سوريا، فباستطاعة المتلقي المعاصر: (المسؤول) .. التّعرف على الرّوائع الآشورية دون سواها .. بلمحة واحدة .. وبذات الفاعلية التي تميز الاسلوب الرّومانتيكي عن الكلاسيكي في متاحف العالم المعاصرة. واهمية المنجزات العاجية بهذا الخصوص: هو انها ادخلت الاساليب الفنية المعروفة في العالم آنذاك .. بحوار حضاري من نوع خاص، إذ شَكلّت الرّوائع العاجية التي تعود الى اصول مصرية او فينيقية او ميتانية: نسبة كبيرة من العاجيات المكتشفة في بلاد آشور، وذلك يُدلّل على انفتاح العقلية الآشورية على الآخرين بطريقة (أولمبية) .. وبنفس الطّريقة التي إنفتحت بها الفضاءات الجمالية لاساليب الحداثة الباريسية .. على اسلوب التّعبيرية التّجريدية الامريكية المنشأ التي تُعد من اهم ملامح التّشكيل في فنون ما بعد الحداثة.
يمكن تعليل ظاهرة تجاور اساليب تشكيل القطع العاجية .. المختلفة عن الاسلوب الآشوري: بصدد موضوعاتها وتقنيات انجازها وسماتها الشّكلية: الى انها جُلبت كغنائم حربية من قبل الملوك الآشوريين الذين اشتهروا بفتوحاتهم الحربية الواسعة .. او انها قُدمّت كجزية من قبل الاقوام المغلوب على امرها .. او انها انجزت من قبل فنانين اجانب في بلاد آشور .. بعد ان استقدمهم البلاط الآشوري لهذا الغرض .. رغبة من الملوك الذين توسعت ذائقتهم الجمالية لتعرف واستخدام الغريب والنّادر والخاص جداً من المنجزات الفنية العاجية، وبذات (الفعل) الذي يحتفظ به ملوك وزعماء عالمنا المعاصر .. بالرّوائع الفنية الاجنبية في متاحفهم الخاصة، فقد تحدثت حوليات ملوك آشور عن تلك الظّاهرة، وبنفس الطّريقة التي عاشَ بها عدد كبير من الكتبة والمترجمين الاجانب في البلاط الآشوري.
ضَمّت موسوعة العاجيات المُشكلّة على وفق ضوابط الاسلوب الفني الآشوري: مجموعة كبيرة من المنجزات الفنية التي توزعت بشكل غير عادل على متاحف العالم المختلفة .. إذ احتفظ المتحف البريطاني بلندن بنسبة كبيرة منها .. وتلك قسمة ضِيزى .. أزاء أحقية المتحف العراقي في احتوائها مع غيرها من الابداعات الحضارية، ومع ذلك فانها رسالة سلام قدمها العراق للفكر الانساني على هيئة ابداعات جمالية.
وقعت بعض الرّوائع العاجية الآشورية: في فخ تقليد الصّور التي أُنجزت على السّطوح النّحتية الرّخامية والحجرية .. في حين تعود مرجعيات البعض الآخر منها الى التّراث الرّافديني السّومري والاكدي والبابلي .. وتفرَّد القليل منها بموضوعات وتقنيات اظهار جديدة .. عملت على تحديث متحف النّحت الآشوري بمنظومات شكلية جديدة، وبسبب ضخامة نتاجات العاج الآشورية .. فان دراستنا ستركز اهتمامها على النّماذج الهامة منها .. لما من شأنه ان يُنير صورة الابداعات الآشورية في هذا المجال.
يُعّد الملك (آشور-ناصر-بال) الثّاني (883-859 ق.م) الحفيد الأصغر للأمير (جودة) Gudea: السّومري: الذي خلدَّ نفسه للاجيال باكثر من ثلاثين تمثالاً من حجر الدّيورايت الصّلب الاسود اللون، إذ أحبَّ الملك الآشوري ان يُصوَر بهيئة تمثال من حجر الكلس .. وان يوثق نشاطاته المتنوعة على سطوح الرّخام .. وامتد ولَعهُ بفن النّحت الى تمثيل صورته على سطح احدى القطع العاجية الصّغيرة الحجم (شكل1).
حَددَ سطح قطعة العاج الضّيق: حرية الفنان في تمثيل صورة مليكهِ على وفق القواعد الكلاسيكية المُتبعة في البلاط الآشوري .. ومع ذلك فان ملامح الملك تُظهر تشابهاً مع صورتهِ في تمثالهِ الحجري الكبير الحجم، إذ اتاحت رخاوة القطعة العاجية للفنان في اجادة رسم الخطوط المُحددة لهيئتهِ الوقرة .. ودراسة تفاصيل صورتهِ، إعتمرَ الملك كعادته تاجه الحربي المخروطي الشّكل، واستعرض قوته امام الاجيال: بأن لفَّ جذعه بوضعية شبه جانبية، ماسكاً بيده اليسرى سيفه القصير المعقوف، وراحَ مُنتشياً بارتشاف شرابه المقدس .. من كاس انيق ارتكز على رؤوس اصابعه الرّشيقة، وبفعل اصراره المسبق على جمالية صورتهِ .. فقد سَرَّح شعر ذقنه ورأسه الكث الاسود اللون بعناية .. وعلى وفق الموضة الملكية الآشورية (شكل1).
لفَّ الملك جسمه (المتين) بشال حريري ارجواني اللون بنصف اكمام .. الذي افترشت ارضيته اعدادا كبيرة من زهرة البيبون ذات المراكز الصّفراء والفروع البيضاء .. التي تمتلك طاقة سحرية بامكانها ان تحفظ شخص الملك من كل مكروه .. على وفق المفاهيم السائدة بين الملوك، وبغية اخراس سكونية زيهِ .. فقد زُين بصفوف من الاهداب الخيطية السّوداء اللون .. التي ارتقت بخاصية زيهِ نحو رفعة الأزياء الكلاسيكية (شكل1).
قشط النّحات خلفية الصّورة .. قشطاً خفيفاً بفعل رقة قطعة العاج، ومع مثل هذا (الحرَج) التّقني .. فقد تلاعب النّحات بمستويات النّحت .. لما من شأنه ان أظهر رشاقة ساعدي الملك الذين نحتا (بتدوير) كامل .. وكذلك فانه أضفى على سطح المنحوتة ومضة من الضوء والظل: فَعّلت الخاصية الجمالية للسطح العاجي (شكل1).
اكتشف (ملوان) Mallowan في بئر بمدينة نمرود: بورتريه صغير الحجم لفتاة .. مطموراً بالوحل في قعر البئر .. وعلى عمق اكثر من عشرين متراً تحت مستوى أرضية القصر الشّمالي الغربي للملك (آشور-ناصر-بال) الثّاني، وقد اثار اكتشافه اهتمام المختصين طيلة النّصف الثّاني من القرن العشرين .. ولحد الآن: بسبب خصوصية موضوعه .. وجمالية التّقنية التي أُنجز بها، فمنهم من اعتبره (بورتريه) لاحدى الاميرات الآشوريات .. فيما عزى آخرون عائديته الى مرجعيات فينقية او مصرية (شكل2).
بغية فك الاشتباك بين آراء المختصين .. فنحن نُرجح ان سمات الوجه ليست غريبة عن الفن العراقي .. فاسلوب عقد الشّفتين اللدنتين .. وطريقة تشكيل الانف .. وشكل الحاجبين .. والأهم من ذلك نظام تصفيف الشّعر: يُظهر تشابهاً كبيراً مع بورتريهات الفتيات السّومريات وبالأخص: رائعة المتحف العراقي المعروفة برأس فتاة الوركاء، وفي (منعطفٍ) آخر: فاننا نؤيد فكرة قلة ظهور صور النّسوة في الفن الآشوري بشكل عام .. الا ان ذلك لم يكن مانعاً من ظهور الملكة (نقيا-زكوتا) مع زوجها الملك (سنحاريب): في طقس ديني خاص، وتمثيل الملكة (أشوشرات) مع زوجها الملك (آشور بانيبال): في الجلسة الاحتفالية الشّهيرة: إحتفاءً بانتصارهم على الجيش العيلامي.
فحضور صورة المرأة في مشاهد اهم المناسبات الملكية .. يدعم حجة عائدية (بورتريه) الفتاة لمعجم النّحت الآشوري .. خصوصاً وان نظام تصفيف شعرها المعروف حالياً بـ(الكاريه) يطابق تماماً شكل شعر الملكتان المشار اليهما مطابقة تامة .. على وفق الذّائقة الجمالية المفضلة لدى أميرات البلاط الآشوري .. التي شاعت في القرن التاسع والثامن والسابع قبل الميلاد.
يُعد (بورتريه) الاميرة الاشورية العاجي: من روائع النحت الآشوري .. إذ ابدع النحات صقل سطح الوجه .. وتشكيل اجزائه بانسجام دقيق .. فملامحه لها قوة تعبيرية كبيرة: إذ تَفيض عيناها بالحياة .. وتُخبيء شفتاها ابتسامة عذبة .. فهما رفيعتان ورقيقتان ومتموجتان: تكادان أن تنطقا، وحنكها صغير مع طية رقيقة ورفيعة على الوجنتين .. ارتقت بحيوية جمالية الوجه، الذي نُرجح انه كان متوجاً بشعر مستعار ربما يكون بشكل كتلة من الخيوط الذّهبية. لذلك يستحق (البورتريه) تسمية (موناليزا) الفن الآشوري (شكل2).
نُرجح ان يكون وجه الفتاة الآشورية الجميل: جزءا من تمثال .. فُقدت اجزاؤه العاجية الاخرى .. بدلالة قوس الثّقوب في أسفله .. وتسطيح الجزء الخلفي من الرأس، فلم ينحت الآشوريون تمثالاً لملك او ملكة .. بدلالة الوجه، بل فرضت تقاليدهم الطّقوسية ان ينحتوا تماثيلهم كاملة .. فأي اقتطاع من كلية الصورة .. يؤثر في دلالتها .. كونها تقدم تركيبها وخطابها الفكري من خلال (بنيتها) الكاملة .. التي تَشكل من خلال تفاعل اجزائها بنية التعبير .. وتساهم بشكل فاعل في توصيل وظيفته الدلالية.
أزالت تقاليد نحت العاج: إستعلاء الفن ليشمل بعض الشخصيات من خارج دائرة العائلة الملكية، إذ اكتشفت احدى بعثات التنقيب تمثالا صغيرا يمثل شخصية كبير الخدم (المخصيين) في البلاط .. وهو الشخصية الوحيدة الحليقة الذّقن التي تَزينت بقرطين جميلين .. وظهرت امام الملوك مرات عديدة في مشاهد النّحت البارز الرخامية .. وخصوصاً في المشاهد الخاصة جداً في يوميات الملوك الآشوريين (شكل3).
استُظهر التمثال من قعر احد الآبار العميقة في مدينة (نمرود) بصحبة (بورتريه) جميل لشخصية مماثلة (شكل 4A، 4B)، مع قدمين إنتعلتا نِعالاً جلدياً تُظهر تشابها تاماً مع مثيلاتها في المنحوتات البارزة الرّخامية (شكل5)، مع قدم اخرى .. تعرضت للتلف للاسف الشديد .. تشبه برشاقتها ورقتها وجمالية نحتها قدمي (افروديت) ربة الجمال .. على واجهة معبد البارثنون بالعاصمة الاغريقية (اثينا) (شكل6).
لم يجد النحات الآشوري حلاً: في نحت تمثال كبير الخدم (شكل3) .. الا بتشكيله من عدة قطع .. تُثبت الى بعضها بطريقة خاصة، بسبب صغر حجوم القطع العاجية المُتاحة للنحت .. التي لا تصلح لتقنية نحت التماثيل من قطعة واحدة. ورغم صعوبة تخيل تناسب اعضاء الجسم الى بعضها .. بسبب تشكيلها كُلاً على انفراد، فان السمات الشكلية للتمثال تشير الى نوع من الحرفية المُتقنة القائمة على التجريب في اخراج واقعية الشكل، إذ إتخذ النحات من كتلة الجذع: المركز الذي رُكبت إليه اعضاء الجسم الاخرى .. كالراس والاطراف العليا والسفلى، ما جعل كتلة العاج الصّغيرة: تُرينا أين يجب ان تكون امكنة الرّأس والاطراف في الفضاء، فمن الجذع وحده: استطاع النّحات الآشوري ان يعين وقفة الجسم باكملهِ .. حتى بدى التّمثال اكثر حيوية من جسم المشاهد ذاتهِ، وذلك (فعلُ) جمالي أوصلنا الى الخجل من خمولنا .. مع احساس بالفخر: لما ابدعته الخبرة الآشورية من ابداعات في تطور الفكر الانساني.
اكتشفت بعثة الاكتشافات البريطانية وغيرها في مدينة نمرود (كالح): مجموعة كبيرة من تماثيل العجول العاجية الصّغيرة الحجوم (شكل 7A، 7B)، التي يعود جذرها التّاريخي الى دور حلف (5000-4500 ق.م) من عصر قبل الكتابة على أرض الرّافدين، وشاع كذلك نحت تماثيلها الحجرية والبرونزية والذهبية عند السومريين (2800-2371 ق.م): بعدّها اشكالاً طقوسية من نوع خاص .. إذ حرروها من طبيعتها المادية .. وأَوّلوها الى اشكال رمزية ترتبط بفكرة الخصب وقوة التّذكير في الوجود .. وجعلوها ادوات فاعلة في الطقوس التي أقاموها في الاعياد ومواسم الزّراعة والحصاد وتبدلات الفصول وغيرها. كما كثر تداول اشكالها في الفنون الآشورية: على هيئات اسطورية حارسة لبوابات القصور والعواصم الآشورية.
رغم فقدان العجول العاجية الآشورية لقرونها وآذانها وقوائمها الأربع، إلا ان ذلك لم يفقدها جمالية اشكالها الواقعية، فباستطاعتنا تَخيلُ تيقظها وحركتها النّشطة المندفعة الى أمام، بالخبرة النّحتية الابداعية العظيمة التي أُستخدمت في اخراج اشكالها النحتية، إذ اشتغل نحات العاج الآشوري بكل حرية في سبيل الارتقاء بالاحساس الجمالي لسطوحها النّحتية، فقد زين وجوهها بشبكة من الخطوط الحرة الغائرة: لابراز السمات التشريحية لرؤوسها، كما كررَّ بذات الحرية: عدداً من الخطوط الغائرة الحلزونية التي التّفت بكل انتظام حول رقابها .. لأظهار كتل الشحم واللحم التي غَلفّت رقابها، اما دراسة تشريحها العضلي: فقد تم بفعل التلاعُب بتضاريس سطوحها النحتية، فبين ارتفاع واستواء وانخفاض .. تحرك فعل الأنارة على سطوحها .. ما بين نصوعها وعتمتها .. الامر الذي ارتقى باشكالها: نحو نظام المنحوتات المتفردة في تاريخ النّحت الآشوري (شكل 7A، 7B).
ان العمل الفني في الفن الرمزي: يُمثل على الدوام شيئاً آخر .. غير مدلول الصورة الظاهر وحده، فهو يُشير الى دلالة يُفترض بالشكل ان يوقظها في وعي المتلقين، فقد ادرك فنان العاج الآشوري: انه على عتبة عصر روحاني جديد .. وانه من خلال التعبير عن المعتقدات الروحية للجماعة .. يستطيع انعاش الأفكار المتخفية في داخلية مواطنيه، من هنا كان تحول اسلوب تمثيل المنحوتات العاجية من الواقعية الى التجريد، إذ يحتفظ متحف العاج الآشوري بعدد كبير من القطع العاجية التي زُينت سطوحها بتقنيتي التّخطيط أو النّحت البارز: بمشاهد زخرفية هندسية. اهمها تلك الشريحة العاجية المستطيلة الشكل .. التي قُسِمَ سطحها الناعم الى اربعة حقول افقية متساوية، احتل العلوي منها نسقا جميلا يتألف من (تاج) النخلة الآشورية بسعفاتها التّسع .. والى جوارها زهرة اللوتس، اللتان توالتا بالظهور بشكل منتظم .. بعد ان رُبطتا بنسيج من الاغصان النباتية الطرية، فيما حَصِرَ في الشريط التصويري التالي: شكل ضفيرة زخرفية أنيقة الصّنع، وترك الحقل الثّالث دون شيء: لأراحة الاستقبال البصري للمشاهد، وتكرر مشهد الضفيرة الزخرفية الهندسية الطّابع مرة اخرى: بغية تأكيد دلالتّها الرّمزية .. واضفاء نوعاً من الجمالية على سطح التكوين الزخرفي.
ان ما تعرضه القطعة العاجية الصّغيرة الحجم .. على سطحها من (موتيفات) motifs: هي نوع من التّأويلات الشكلية الرمزية لمفاهيم الانسان في زمانهِ ومكانهِ، فشكلي النخلة وزهرة اللوتس: هما علامتان عرفيتان تكرر ظهورهما كثيراً في مشاهد النحت المعماري والرسوم الجدارية، ومقولتهما الدّلالية تعبر عن افكار الخصب والتّكاثر والتجدد والخير في الوجود، فالمشهد العاجي: هو بمثابة الشفرة التي يبثها الفكري من خلال خطاب التّشكيل المُعلن. اما اسلوب تمثيلهما التجريدي: فأنه يُدلّل على سعي الفنان الى بناء حقائق صورية .. ليس لها مماثلات في الوجود الشّيئي المُتَعين .. بوصفهما (كشوفاً) حدسية متحررة من محدودية القيود الحسية، حيث الاعمام واللامحدود بدلالتّهما الرمزية.
تكدّست في آبار العواصم الآشورية .. ومخازن حصونها الحربية المَنيعة: اعداداً كبيرة من المنجزات الفنية العاجية .. التي تعود مرجعياتها الى مناشيء عالمية متنوعة ومختلفة .. وصلت البلاط الآشوري بوصفه المركز الذي يُدير الحضارة العالمية .. بما يشبه دور الجمعية العامة للأمم المتحدة في الوقت الحاضر. وبما ان جُلّ اهتمام منجزنا الثّقافي: يقع في دراسة الفنون الآشورية، فان عملية فك مغاليق الدلالات التي تشفر عنها تلك الاشكال الرمزية .. وتعرف تقنيات اظهارها .. وسماتها الشكلية: يحتاج الى معجم ضخم يفوق دراستنا ضخامة، وازاء (حَرج) من هذا النّوع: فلا مناص لنا سوى القول ان معظم تلك النّتاجات العاجية تقع ضمن خانة الاسلوب المصري والفينقي والميتاني (شمال سوريا)، وربما يعود القليل منها الى التّقاليد الهندية والافريقية وغيرها. لذلك آلينا على انفسنا نشر صور بعض تلك الابداعات الفنية المتفردة .. لاعتقادنا: ان بامكان الصورة تفسير ذلك الزحام في تداخل الأساليب الحضارية .. على وفق ميكانزمات عمل الدراسات النّقدية المعاصرة (الاشكال 8 – 12).

بقلم : د. زهير صاحب
باحث اكاديمي من العراق

نشر المقال في العدد 15 من مجلة تشكيل

image003 image009 image011 image013 image015 image017 image019
image_pdfimage_print

Facebook Comments

POST A COMMENT.