النحت … بمجاورات التكنولوجيا / لا مألوفية اللحظة وتمثلاتها في أعمال(وليد البدري)

برسوخ يقين غير متفائل،ومرفق بأفق- ربما- أكثر من مفتوح، تشاء أن تدفع بنا عبارة (برتراند رسل)القائلة:(كلما تقدمت المهارة الفنية…ضعـفت الحكمة البشرية أو أضمحلت)نحو مثار الإهتمام-مجددا- بالدوافع والإستجابات الحضارية التي من شأنها أن تؤثر أو تحرض أو تجبر على إتباع سلوك ما،أو مجموعة مركبة من السلوكيات التي قد لا تتوافق مع الكثير من القيم والتقاليد السائدة والموروثة،وبما يعزز من حجم وطأة الإحساس بالغربة والغرابة- معا- لدى من يؤمن بتفوق المثل والإتسام بالحكمة والرضوخ لها عنوانا أزليا لبقاء نقاء الروح،كما ظلت مقولة(ريلكة)؛(لا تأريخ …. إلأ تأريخ الروح) تلوح في سموات قناعتنا بها الى الآن،بل وما زلنا نروج لها،فيما جاءت عبارة(كولريدج)؛(أننا أشترينا بعض الإخترعات الرائعة على حساب فقدان المشاركة الروحية للطبيعة) لتستدرء عطف سجيتنا بإتجاه التذكير على ضرورات حبنا وميولنا الغريزي للحياة البكر متمثلة بالعودة الى(البرية)التي يخلصها لنا شعورنا وإحساسنا الدائم بحاجتنا الماسة للعراء ونريد به-هنا-(الطبيعة) برمتها،أي بمعنى أدق وأوسع.
(كل شيىء… هو أنا) إدعاء كهذا يؤطر لموضوعة قلق الذات الفنية بنزاعاتها الإبداعية و الأنانية في ذات النزوع نحو تخليد تلك الذات بوجودها العياني عبر مهارات الحفر في مياسم البحث عنها،و ما تعليل هذا الوجد النرجسي بها إلأ تعميقا لنواحي جوهر الإنسان وتحديداته لمديات الوعي بها،كل حسب مجالات إهتمامه وطبيعة تطالعاته ،وقبل أن نطوف في توريد مقاصد الكشف عن طبيعة وأهمية الكتابة عن تجربة الفنان(وليد البدري)في مجال النحت وأستعدادات سعيه لإستثمار وتطويع أغراءات اللامألوف عبر توافد سطوة اللحظات التي يخطط من خلالها قبل أن يتوق الى تنفيذ أعماله على منوال هذه الدقة والتقانة العالية التي يتمتع بها،يجب علينا التأشير- بوعي يسعى لرسم تصورات أضحت و اضحة في تثمين تلك المقاصد- على مثابة تعد هي الأكبر في متممات الإعتراف بركائز معجزات توريدات الفن القادر على إستثمارالممكن من اللحظة وتسوية جوهره لصالح غاية أسمى،نعني بذلك ما يتعلق بقدرت الفن على تحويل(المحسوس)أوالمتصور الى فعل تعبيري(ملموس) ينبع ويشع من مكامن إستنهاض الطاقة القادرة على ترجمة المشاعر والأحاسيس وصولا الى الرؤى والأحلام الأفكار،وبغض النظر عن نوع وماهية المادة التي ستقوم بتنسيق مفردات ومكونات ومحتويات كل تلك الأحاسيس والمشاعر- ذاتية كانت أم جماعية- الحاضرة في وعي تلك الذات المفكرة بزهو اللحظة التي هي ستكون ملكا مشاعا لمن سيحسن شحذها بالجمال وتطويع مكامنها بإتجاهات تماثلات وتطورات ومرامي أهداف وغايات إبداعية حرة تشي بدفع الموهبة وملكات إستعداداتها الذهنية والمعرفية وكل ما يعتمل في دواخل الفنان من أجل ملء ذلك الفراغ النفسي والحسي بغية ايجاد وسائل وسبل لإدامة فعل الإنسانية والحياة بنزاهة وحرية وجودها فينا،فضلا عن حاجتنا القصوى للتحليق بأجنحة الخيال… الخيال الذي بدونه لا يمكننا إدراك الواقع.
وفق زوايا هذا الدخول الإستحكامي المستند الى عدة إستفهامات وتوضيحات فلسفية ووجودية بحتة،تتسلل رؤى البحث الى ثنايا الموقف الجمالي في عموم منجزات أعمال النحات(وليد البدري- تولد1946 الأسكندرية/محافظة بابل)والحاصل علىى شهادة دبلوم عال(ما يعادل الماجستير)هندسة ميكانيكية من(بولونيا)في العام/1980فضلا عن شهادة البكالوريوس في مجال النحت/كلية الفنون الجميلة ببغداد في العام/ 2000،وتواصل دراسته للنحت حتى الآن لنيل شهادة الماجستير من جامعة بغداد والموسومة(الرؤى الجمالية لنصب فنية مقترحة في ساحات مدينة بغداد- دراسة تطبيقية) من حيث تنوع وثراء تلك المداخل وفق بنية دراستها للعلوم الصرفة من جهة ومن ثم سبل العودة لدراسة الفنون(النحت- تحديدا)كمحصل إضافي ونوعي لتعزيز وعقد قرآن الثقة مابين عالمين غير متجانسين في أغلب أحوال حدودهما،من هنا تمركز إهتمامنا منذ لحظة الشروع بالكتابة عنها- كما يتضح ذلك في متن مقدمة إستهلالنا دخولا لهذا الموضوع-على ضرورات البحث والحفر في مسببات الأنجرار وراء تعميق لغة الحداثة ببعض جوانبها الصارمة ومحاولات تعشيقها مع مساند تلك المشاعر والرؤى والإنزياحات الوجدانية تارة،ومابين التماثل لجوانب الإنحياز-شعوريا أو لاشعوريا- لحضارة وأدي الرافدين وإستحضار رموزها تارة أخرى،بالاضافة الى إستلهام بعض الأساطير التى حاول(وليد البدري)التعامل معها بنسق وإحتراز وحذر خاص أثاب من تقيم تجربته على نحو ما تستحق من تميز وأختلاف جاءت كلها ليؤكد جدية ما نريد ونسعى في ترسيم حدود هذه التجربة التي كنا قد تناولناها سابقا في مقال نشر في جريدة الإتحاد منتصف العام/2004 ولكن بحدود أضيق مما نحن عازمون عليه في هذا المقال)إيمانا ودعما لصدق وأحقية تميزها عن غيرها من تجارب النحت العراقي المعاصر،بسبب تنوع زوايا نظرها للموضوع وإتساع أفقها لمفهوم وتطبيقات الحداثة،فضلا عن قدرات تفردها وإمكانية تخلصها من تبعات التأثير الذي سيطر على الكثير من التجارب النحتية عندنا،بالأخص من تلك التي أنصاعت- بقصد ودراية أو بدونهما- لسطوة وهيمنة تأثيرات(جواد سليم)و(أسماعيل فتاح الترك)و(محمد غني حكمت) في بعض ملامح وخوالص تلك التجارب.
تستند وتسعى إنجازات وعموم تطلعات(وليد البدري)الى قهر ولي وتطويع كل ما متاح من معادن صلدة ومواد حديدية عصية على تحقيق الكثير من الأفكاربغية إستنطاق ما فيها من طاقة وقدرات كامنة غير متوقعة وبعكس ما كنا نعرف عنها في مألوفية وظائف استعمالاتها اليومية والمعتادة،وتحويلها بمشيئة وعي نحتي خاص ومتفرد في تثمين صلة البحث وطبيعة التنامي القصدي في ذرات ومكونات تلك المواد الصماء،ساعة يقدح فيها الفنان شرارات وعيه ووهج لحظات تفكيره عبر إلهام حقيقي وتوظيف جمالي ينوء بروح تعبيرية خاصة هي الأخرى في توضح مهام وجودها دون أن يأبه لها على أعتبارهما مجرد مواد عاجية بلهاء خالية من إمكانية تحقيق إستمالات فكرية ووجدانية تنهض بتلك اللحظات التي تنسجها إرادة(البدري) وتأخذ بها نحو تجليات الفن ومدياته اللامحدودة حين تغرس وتنمو من أنساق و مقومات ذات ملكات تشي بقدرات تحويل المألوف والسائد الى حيث مصاف ومباهج المتعة والإبهار والترميز المقنع بتماهيات الفنون والعلوم مع بعضها البعض وصولا الى معالجات ومعادلات جمالية غاية في الدقة والرشاقة والإتقان،من تلك التي بأستطاعتها أن تسخر- بثبات وحيوية ومطاولة-مماأعتادت عليه محصولات الفنون البصرية الإستهلاكيةأوالسائدة،وعلى جانب مختلف-تماما- مما جاءت تسعى اليه تجربة(وليد البدري)عبر إجراءات تفويض روح ورهافة الحداثة الفنية الملاصقة لمجاورات علمية وعملية ما فتئت تغري شهيته بإنسيابية وليونة ورقة مشاعر هادئة ومواقف إنسانية تجمعت في مثابات الصدق وإمكانيات السيطرة على دواخله وتثوير نبل أحاسيسه مستعينا بالمواد التي أشرنا اليها وفحصنا صعوبة أومحدودية التعامل معها لما تتطلبه من جهد ومطاولة(حديد /براغي/ صجم/ شيش/بليت)ومواد أخرى ليست سهلة الإنصياع والتباري مع تفويضات التعبير عن دواخل ومشاعر ورؤى الإنسان كما هي متواليات ما أنجزه النحات(وليد البدري)من أعمال أتسمت بهيئات وعلاقات تواشج و إحتدام ضمني مابين الشكل والمضمون نجحت في ترجمة جملة من التلاقيات الرائقة والشاعرية وهي تتوافد طيعة،منسابة من بين أصابع هيمنة وصرامة قوانين علوم الهندسة وحيثيات التعامل مع جدية التكنولوجيا،بالحد والمستوى المماثلةلما كانت ولم تزل تتطلبه وتستدعيه وتسعى اليه مجمل عمليات التعامل مع مواد معروفة ومألوفة (شمع/ طين/ جص/معاجين/خشب)أوأية مادة سهلة، متاحة ومتداولة في عالم النحت المعتاد و(المسلكي)الذي درجنا عليه وآمنا به منذ عقود مضت،أذا ما أستثنينا تجارب(صالح القرغولي)و(وميران السعدي) وبعض من جاور هذه التجارب الكبيرة في خارطة النحت العراقي وتراثه الأثير.
تناسلت أعمال(وليد البدري)من رحم المواد التي راح يعالجها بلغة النحت،وهو يتناوب على معالجتها برفق وأتقان و وثوب خال-أصلا- من ثقل وتقليدية تلك الدقة الباردة التي يطرق عليها أي تكنولوجي تقليدي أوعامل ماهر شاء له العمل على جسد المادة الخام في مسلسل الوصول الى مبتغاه الإستهلاكي،فيما تغدق مهارات وتوجسات (البدري)بحذر كامل وخشوع وإتزان نوعي على أصل تلك المواد ليحيلها الى تشخيصات وتشيئات بمحددات وإنحناءات وتماثلات جمالية منها ما لحظات شاعرية-عاطفية حافلة بوجودها في مصفوفات مجموعة من القلائد والحلي والمقتنيات الخارجة من ملاك مخيلة غزيرة وثرية في تطويع الممكن والمالوف الى حيث مصاف الإعجاب والثناء الإجمالي لما تصبو اليه حملت أعماله النحتية حملت عناوين(قبلة…عناق… الإخلاص)وغيرها من مشاريع نصب ونوافير كان قد أنجزها بوعي حضاري يداني بحضورها روح حضارات(سومر… بابل …أكد)وبما عزز من تواليات فوزه في المعارض التي أقيمت على هامش مهرجان بابل الدولي لثلاث دورات متتالية أحتاز فيها(وليد البدري)على الجائزة الأولى على مدار الأعوام1998 /1999/2001،أو في تثمين مناسيب مهابة الإسطورة ونواتج فعلها،متناغما،متراصا مع إستلهامات حرةومعاصرة وجدت نفسها تتسلل في أعمال نحتية مثل(ديموزي) و(أور نمو) و(الثور المجنح)و(التيس)غيرها من محصلات ما يجري في عصرنا الراهن كذلك الذي تجسد في مرامي عمله الشهير المعروف ب(المثرمة)وهي عبارة عن تجسيد لماكنة ثرم اللحم المعروفة،قام بوضع مجموعة من الصامولات(البراغي) لتخرج من الفتحة الثانية المثقبة على شكل أسلاك من معدن مهروس جاء ليثير الفضول والدهشة والشفقة على ما يجري اليوم من أحداث وظروف دامية،فضلا عن عمله المهم الذي حمل عنوان(الإخلاص) والذي نال عليه على جائزة الشرف في مسابقة وزارة الثقافة للعام/2004بالتعاون مع منظمة(اليونسكو)وبما عرفت بجائزة الفنان العالمي-الاسباني(خوان ميرو)،وغيرها من إسهامات وأستنهاضات فكرية تماثلت في عمل حمل عنوان(الضيق)جاء ليقترب بشئ من أعمال(أنسليشين)تركيب أو تنصيب في الفضاء،عمد فيه الى وضع مجموعة من البخاخات الحقيقية الخاصة بمرض الإختناق أو الربو داخل علبة شفافة ليوجز به ويشير الى حجم إحساسنا المضني بالضيق والعزلة جراء تفاقم وضع الحواجز وإعاقة أستمرار الحياة على نحو واضح من القصد والتأشير والتأويل الخفي والمعلن لمسميات ونواتج نحتية مهدت لتعانق حدود ومرامي تجربة عراقية أتسمت بمسك عرى الحداثة والمعاصرة وقدم الحضارة والتراث معا،من أجل مد أواصر التلاقي والإمتدادات التي توجبها وطأة ومخاضات الأزمنة وما تتركه من آثار مع محصلات ما تحتمه الحقوق التاريخية لطبيعة وجود الإنسان على كوكب الأرض،فليس ثمة أرتفاع بلا عمق.

بقلم : حسن عبدالحميد
شاعر وناقد فني من العراق

نشر المقال في العدد 15 من مجلة تشكيل

2 4 5 6 20140424_170454 20140617_130150 20140618_050527 20140618_061848 20140618_062032 20140618_063709 20140618_064039
image_pdfimage_print

Facebook Comments

POST A COMMENT.