في النحت العراقي المعاصر في مجسمات مشعل أثير [مشفرات النحت وديمومته]

بقلم / عادل كامل

[1] مع أن أسرار الدفن، وطقوس العبادات المبكرة للآلهة الأم، التي صاغها إنسان وادي الرافدين، والتي جسدها في دماه الطينية أو في فخارياته، في المرتفعات أو في السهول، لم تفصح عن ألغازها كاملة، فان شروط نشأة الحضارة العراقية القديمة لم تكتف بالوفرة أو بروح التضامن فحسب، بل غدا الجانب الفلسفي أكثر صلة بعوامل الاستجابة للامتداد، والتجدد. انه اللغز غير المرئي لمواجهة عوامل القهر، والتدهور، والاندثار.
فقد نقشت عميقا ً، في تلك الآثار، ومضات حياة شائكة كونتها التحديات والقسوة، إلى جانب وجود مضامين مغايرة للموت، تمثلت في الرموز النحتية التي مازالت تمتلك أسرارها وكتماناتها الانطلوجية. ذلك لأن ظهور المجسمات، لم يقترن بظهور القرى فحسب، بل بالاستجابة لمفاهيم جعلت من تلك العلامات، وبضمنها المهارات الفنية في صناعة الأواني والدمى والتماثيل، خطابا ً يعمل عمل الجسر، لا يتوقف عند العبور، بل يعمل بالامتداد، والتواصل، والانبعاث.
[2] ومع أن أزمنة القهر، والانخلاع، والتفكك، قد ازدهرت في ارض الرافدين كأزمنة الحقب الذهبية، إلا أنها لم تتمكن من قهر الإنسان في استكمال حلم بناء حضارة لم يغب عنها المخيال، عبر واقعية مشحونة بالرموز والمشفرات والعلامات الجمالية. ومثال النهضة الفنية الحديثة، منذ منتصف القرن الماضي، أحد الأمثلة على دينامية التجدد ـ والامتداد. فمع ظهور جواد سليم وخالد الرحال ومحمد غني حكمت وإسماعيل فتاح، وأسماء بارزة أخرى، لم يعد لفترات القطيعة أن تتوارى، تاركة للنحاتين الجدد العمل على صياغة حداثة لها تنوعها، وإنما، في الأساس، لم تتخل عن هويتها التي كونتها عوامل التحدي، والتواصل، والابتكار.
[3] ففي التجارب الفنية التي ظهرت في فاتحة الألفية الثالثة، كما في مقدماتها عند رواد النحت العراقي الحديث، لم يتخل النحات العراقي، عن معالجات مكث (الإنسان) فيها علامة تداخلت عبرها الموروثات والفلسفات المعاصرة على حد سواء. على أن سمات مجسمات هذا الجيل، ستتضمن قضايا ليست مستحدثة تماما ً، كما انها لم تول (اللاهوية) إلا استجابة تعيد للنحت اقترانه بالمدينة، وقبل ذلك، بالإنسان، الذي تكونت داخله إرادات يصعب قهرها.
[4] النحات مشعل أثير، الذي تأمل، وتلقى خبرات عدد من رواد النحت، وزامل كوكبة من النحاتين الشباب، يمنح منحوتاته تجريبية ستترك نهاياتها غير قابلة للانغلاق. فإذا كان جواد سليم، وجيله، قد شكل علامة للريادة الزمنية والفنية، فان الزمن الذي نشأ فيه محمد غني حكمت، لم يقف على الضد من الزمن الذي ظهر فيه إسماعيل فتاح أو صالح القره غولي، أو عبد الرحيم الوكيل، أو عيدان الشيخلي، أو الحسني، بل مكملا ً للنزعة التي لم تغب عنها هوية النحات الرافديني، في أصولها الحديثة، لكن بجوار منجزات ما بعد الحداثة، وراديكاليتها أيضا. فالنحات الشاب ترك أصابعه تعمل بذاكرة تمت استعادتها، إلى جانب مخيال ابعد، منذ نصف قرن خلى، إنما بتجريبية تحقق ثنائية المخيال والموروثات من ناحية، وبناء تجارب لا يمكن فصلها عن عنف الحاضر وقسوته. فإذا كان النحات الشاب مشعل أثير يدرك أن الاستجابة لا تماثل محاكاة الحاضر، بصدماته وتنوع متغيراته، فانه أدرك، برهافته، انه لا يعيش في كوكب آخر. فنماذجه المدورة، ومصغراته، والنحت الجانبي (الرليف) تجعل مساحة التذكر زاخرة بتأويلات لغز وجود النحت، وما يتضمنه من انتماء إلى المتغيرات والصدمات ذاتها. فالاستجابة للفن، لا تذهب بعيدا عن تمسكه بومضات شكلت علامة الإنسان، وأثره، في صياغة نصوص لم يغب عنها التأمل، والبعد الفلسفي أيضا.
[5] ففي مجسماته، لا تستقل الأشكال، عن محركاتها. كما أن المعنى لا يقحم داخل نهايات غير قابلة للدحض. نعم، مشعل أثير، مع زملاء له، تنوعت مرجعياته، وتكونت، ليس بدافع المغامرة أو الإعلان، بل بدافع (التجريب)، مع أن المؤثرات ليست زائفة عندما تتوارى وتغدو باعثا ً على الديمومة. فما بعد جواد سليم، لم تعد مرحلة منفصلة عن ما بعد الحداثة، والعودة إلى الجذور: المخيال في مواجهة الاستنساخ، والذاكرة في احتفاظها بمشفراتها. وهنا، في تحليل ديالكتيك الأشكال بدوافعها، لا ترجع إلى محمد غني حكمت، أو إسماعيل فتاح، أو صالح القره غولي، أو عبد الرحيم الوكيل، أو محمد الحسني، أو مرتضى حداد ..الخ فحسب، بل إلى: لغز النحت بصفته لا يحمل بذور السلعة ـ الاستهلاك، وإنما: المكان وقد غدا مؤنسنا ً، حاضرا برموزه. فالنحت ـ منذ تماثيل الآلهة الأم ـ نشأ ليتجاوز التعبير، والمحاكاة، نحو: استكمال دورته، مع دورة الإنسان. كان إسماعيل فتاح، بما حمله من مؤثرات أوربية، لا يعمل بالهوية، بل بضدها. فالعالم اكبر من أن يحصر بأشكال راسخة، إلا أن فتاح سيدرك، بعد تجاربه الأولى، التي عرضها في منتصف ستينيات القرن الماضي، انه في طريقه إلى الانغلاق، وإن لانتماء إلى (لا هوية) لا يتجانس من إنباتات لها مداها السحيق، وتقاليدها المعرفية، والحرفية معا ً. وعلى الضد من المأزق الحداثوي ذاته، الذي امتد من أوروبا إلى المستعمرات، في أسيا أو أفريقيا، نجد محمد غني حكمت قد انحاز إلى ذاكرة مازالت تمتلك حقها في الحضور: ليس الموروث بأشكاله، بل بما يحمله من ايكولوجية شاملة لا تؤدي إلى ذوبان الهوية، بل للحفاظ عليها.
مشعل أثير، الذي سيتكّون بجرح (الانخلاع) والتهجير ألقسري عن حيطان مدينته، ومتحفه، وبيئته، لم يقفز نحو (ذاته) بصفتها خالصة، ولم يمح عن بصره، أو أصابعه، منجزات أساتذته، مما جعله يتدرب بحذر، تحت تعاليم الحرفة ـ والمخيال الإبداعي. فالمؤثرات لم تعد إلا بصفتها منافية للاستنساخ، في سياق تلمس الهوية، وإعادة صياغتها، مع المتلقي، الذي لا ينتظر إلا أشكالا ً لم تستهلك تماما ً. على أن النحات الطموح، كزملاء له، سيعمل بالأنظمة ذاتها التي أنتجت أقدم المجسمات: استحالة فصل العلامة عن آليات إنتاجها، وفي الوقت نفسه: استحداث تركيبات تذهب بهذه الوحدة نحو ذروتها: النحت وقد اقترب من هوية النحات. هذا الدرب، يفصح عن استحالة دمج العلامات، أو الهويات، ولكن ليس بدافع التميز، أو الاختلاف، بل لأن العلامة لا تحتمل التكرار، أو الاستنساخ.
[6] فموضوعات النحت الأثيرة لديه، لم تدفعه للبحث عن أشكال مستحدثة، أو غير مجربة. النحات الشاب، هنا، عمل بنظام القرابة، مع الصدمات، والمكان، ومع النصوص المتداولة. فهو شديد الصلة بها حد انه لم يكف الإعلان عن سلاسل الصدمات التي غدت، لقسوتها، متداولة بالبداهة، إنما ستشتغل شغل التوكيد، وليس عمل وهن في المخيال أو الذاكرة. فالاغتراب، والعزلة، ورصد ملامح الذعر، والانتهاك .. الخ جعلته يتقصى في أشكاله، وهي تعمل عمل الوثيقة/ الشهادة، ومن ثم، عمل: الفن. انه يرجعنا، كما فعل قدماء العراقيين في هذا المنحى، إلى لغز النحت بصفته ليس منجزا ً فائضا ً، أو جماليا ً خالصا ً حسب، وإنما إلى المكان وقد غدا حلما يصعب التخلي، أو الانفصال عنه. فالنحات ـ وهو قيد التكوين ـ أدرك أن النحت لا يقترن إلا بكثافة المكان، إنما في امتداده وليس في تحوله إلى وثن. إنها إشارة إلى منجز بشري وجد مع الأصابع، وهي تعيد صياغة إبداعات الوعي ـ المخيال ـ بما يمتلكه الحلم من دينامية توازي عمل البذرة: الدفن ـ والبعث. فالنحات ترك أصابعه تحلم، بخبرة نوعت تجاربه، بتنوع الصدمات. فالموضوع النحتي المعاصر، لا يذكرنا بما كان يتعرض إليه النحات في العصور السحيقة فحسب، بل بإنساننا اليوم، وهو يمسك بما يمتلكه الحلم (والمخيال) من طاقات كامنة، يصعب تجاهلها. فالاغتراب المعاصر، ليس موضوعا ًيفصح عن مواجهة المحدود بالمطلق، بالمعنى الهيجلي، بل بما تتعرض الذات إليه، والذات الجمعية، من محو. فالنحات لم يتخل عن الفلسفة لصالح التعبير اليومي، المباشر فحسب، بل ليؤكد أن الفلسفة، إن لم تجد أشكالها، وعلاماتها، ومرموزاتها، فإنها لن تؤدي دور البذرة، كي تكتمل دورة الحياة ذاتها. النحات سمح لخياله أن يشتغل تحت هيمنة المتغيرات، والصدمات، منحوتات تكاد تحطم أشكالها، وتتحرك خارج حدودها. فالمجهول ليس الذي يحدق في الأشكال، واللانهائي لن يغدو مصّرحا ً به فحسب، بل يعمل النحات بحرص أن لا يدع الصدمات خارج سكنها، مثلما لا يغلق أشكاله في حدود تقاليد فن النحت، بحداثته الأوروبية، فثمة موروثات تركها تعمل عمل الشفرات ـ بفعل تجارب النحت المعاصر في العراق ـ بحرية منحت أعماله النحتية نظام التجريب، وليس نظام الحرفة، وهو نظام البحث عن لغة للتعبير، وليس لصناعة أشياء تؤدي دور السلع.
[7] على أن الموضوعات، بتنوعها، ستقود التعبير إلى ذروته: الحدث. فالأشكال لا يمكن فصلها عن مصائر البشر، ذلك لما تتضمنه من توكيد لدور النحت بما يمثله من تراكمات، واقتران مصدرها المشهد الواقعي الذي عاشه النحات: الانخلاع. فالتجريب سيغدو عملية متواصلة لتحقيق ثنائية الحدث ـ الأشكال، عبر وعيه المستعاد: الوثيقة. فالفن لم يصبح سلعة، أو إعلانا ً، أو خلاصة تشابكات، بل قوة داخلية تتيح للنحت أن لا يكون فائضا ً، وان لا يكون علامة بذخ. فبذور (التعبير) تتجانس مع موضوعية كل واقعية تترك المخيال يعمل بمساحات غير قابلة للانغلاق. هذا السياق، في مجسمات مشعل أثير، تتمثل بظاهرة ازدهار النحت المعاصر في العراق، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لدى: مقبل جرجيس/ مرتضى حداد/ أو: علوان العلوان/ طه وهيب/ ناطق الالوسي/ أو نهاد العزاوي …الخ كل حب استجابته لثنائية: الحدث ـ والعملية البنائية. فمجسمات أثير تستمد ديمومتها بجعل الداخل مرئيا ً: فضح الجسد، بصفته ضحية، أو علامة استلاب. إنها موضوعة الحداثة ـ وما بعدها، مثلما تسحبنا إلى عصور ما قبل النحت: حيث تركت البراكين الكائنات (الحية) فراغات لا تعلن إلا عن كتماناتها: صمتها وهو لا يكف عن الامتداد. فالاستغاثة تبقى تحافظ علة ديناميتها: صمتها الممتد، عبر دورة الحياة اللانهائية: الدفن ـ والاستعادة.
إن منحوتات أثير، لا تعلن عن فراغات تنتظر الاكتشاف، انها ـ بصريا ً تصدمنا باستعراض المشهد: صلابتها. فالنحات لا يلهو، أو يلعب، بل يمد جسوره من الواقع إلى الذات، ومن الذات إلى النحت. انه يسكن بيتا ً شيدته الجدران، والاستغاثات، إنما ينطق بصمت ضحاياه: الإنسان عار ٍ وهو يجسد الأمل وقد غدا وثيقة، وليس احتفالا ً، أو خيانة. فهل ثمة (حياد) أبلغ من ترك النحت يستبدل المكان برموز أو علامات تذهب ابعد من (الحدث) كي يبقى النحت، كما لامسته الأصابع الأولى، مع فجر بزوغ الذعر، في القلب البشري: تحديا ً مشغول بالاستجابات، وتتابعا ًلا يكف يجد وسائله في استكمال نهايات، لن تغدو إلا فاتحة لوقائع ابعد من حدود الحدث ـ الأشكال، لكن ليس ابعد من الإنسان وهو يتتبع ظل لغزه العنيد.

نشر الموضوع في العدد السادس لمجلة تشكيل
IMG_0688

IMG_0686 IMG_0681 IMG_0677 4
image_pdfimage_print

Facebook Comments

POST A COMMENT.