محنة السؤال الوجودي.. في تجربة الفنان مازن ايليا

بقلم / د.جواد الزيدي

تتسق قناعات الفنان مازن ايليا على صعيد ممارساته اليومية المعيشة مع انجازه او مايريد انجازه على المستوي الفني .فقد سخر قدراته الشخصية لمشروعه النحتي انطلاقا من اخلاصه لعمله بما يخدم رؤاه الفكرية التي تتمظهر على صعيد المنجز العياني ضمن خطاب بصري يترشح عنه كل مايريد البوح به,لان العمل النحتي نصا بصريا يمكن الاستغناء من خلاله عن مدونات نصية تشرح وتفسر مايضمره منتج العمل.فهو المتصوف والزاهد في أطر اليوميات والنازع نحو الروحي وانصهار الذات في سبيل الوصول او تلمس طريق المطلق والذات العليا والاهداف النبلية السامية التي يصوغها على نحو مسارات مرئية تأخذ تكاملها من ذلك اللامرئي او الفكرة المجردة التي يؤمن بها ويتطلع اليها وان تجلت اعماله على هيئة واقعية تمتلك مواصفات المعيار الاكاديمي المتبع وقيم الاتساق الجمالي الناتجة من تصوير الهيكل الانساني والتعامل معه كعلامة جمالية او كرمز يمكن تأسيس منطلقات خطاب بصري بموجبه يؤدي اغراضه التعبيرية المتعددة تعالقا مع توظيفات اسلافه العراقيين القدماء في مجمل توصلاتهم النحتية. مطمئن لما يسمعه ويشاهده من صراع خارجي او مايحيط به لتوافر المصدات الروحية التي تعد معادلا موضوعيا لما هو خارج الذات المتأملة, لانشغاله بالتفكير من اجل فكرة عليا تتخذ من النحت طريقا للتصير بتخليها عن اليومي والمبتذل وتتجاوزه . ان هذا التجذر في تربة وادي الرافدين والحفر في المضامين الكامنة ازاء كل ما جاء منها ومشاغل النحاتين من قبل اهدته الى التعلم من الخلاصات الجمالية واختيار مبادئه الخاصة للولوج الى عالم النحت بقوة وتأثير المناطق المضيئة في تاريخ حقله الابداعي محاولا اسثمار جميع المقولات الفكرية والارث التراكمي الذي صاغة العقل العملي المبدع في حضارة ادعى الكثيرانها جاءت مكتملة من خلال ماهو مكتشف منها بما احدث انزياحاته الكبرى نحو الجمالي والقيمي وصياغة معايير جرى اتباعها في عملية النحت ولاثراء التواصلي على صعيد مقومات فنية اسهمت في بناء نموذج عراقي مزدهر يمكن التفاخر به . وفي ملاحقة نقدية لمجمل ماقدمه ايليا نجد ان معظم اعماله اتخذت من الهيكل الانساني اساسا في تشكيلها البصري وان تباينت الموضوعات المعبر عنها او اختلفت الاساليب التي يمكن استخدامها في صياغة الشكل النهائي . هذه الهيئة المباشرة تنضوي في جوهرها على خاصية التعبير عن جوهر الذات المرتد عبر الشكل الظاهر , بمعنى ان اشكاله تعبر عن تواطؤات روحية مشعة تتمظهر عبر الحركة والايماءة ومجمل نواتج الجمع بين دلالاتها لتكوين منظومة علاماتية نهائية التي تحيل الى مرامية المضمونية , فأعماله تتوافر على شخوص تصيرو بهيئات رجولية متباينة تحتفظ بدلالة الحركة والمضمون الكامن خلف الشكل المرئي, ويلاحظ ان هذه الهياكل هي هيئات رجولية حاول التمرد فيها على اسلافه وايجاد انزياحات على مستوى التفكير حين استخدموا الجسد الانثوي كعلامة رئيسة مهيمنة للتعبير عن الفكر السائد , بوصف المراة رمزا للخصب والحياة والسلطة والالهه ايضا . وعندما يتخذ من الهيكل الرجولي اساسا فهو تعبير عن ماساة الجنس البشري بشكل عام في تجليه الاول ومحنته ازاء الاسئلة الوجودية التي احاطت تكوينه, اما الاتجاه الاخر هو تكريس قسوة السلطة والمعطى الواقعي على القطب الفاعل في صنع الحدث والتاريخ على السواء للتدليل على طبيعة الصراع القائم بين الذاكرة الجمعية وراس السلطة الذي يمتلك وسائله في القمع والاضطهاد وصناعة الموت , وهنا اشار الى ثنائية القامع والمقموع , الصيغة الاولى يمثلها القطب الاول والثاني هو الضحية التي لايجب ان ترضخ لمتطلبات السلطة على الرغم من شراستها , وعليه النضال من اجل حريتها الذاتية.
ولهذا فانه احاط نماذجه الانسانية في بعض اعماله بدائرة واحدة يقف فوقها هيكل انساني بمواصفاته الكاملة في اشارة واضحة الى طبيعة السلطة الممثلة في الفرد الواحد حين يصوغ قوانينه الاحادية التي تتحكم بمقدرات الناس والشعوب بفعلها الجمعي , هذه السلطة التي تصنع كل هولاء ضمن دائرتها وتمسح عناوينهم وصفاتهم وتحويلهم الى ارقام صيرها الفنان على شكل هياكل متراصة مع بعضها في تلك الدائرة فاقدة لقدرتها وقواها الكامنة ولمعنى الحياة ايضا , لا لسبب الا لرفضها منطق السلطة التعسفي تجاه الروحية المشعة والتهكم من قانون السلطة البدائي الذي يبتعد عن هواجس الجموع المتطلعة للمتقبل المتفائل الذي ينعم بالحرية , وبهذا جعل من قناعاته الشخصية بفعلها الذاتي بديلا عن خطاب يمتلك صفته الموضوعية وينطلق نحو مساحات واسعة من الفكر التاملي الناتج عن مساحات اخرى من التاويل الجمالي , وبالتالي تأكيد رفضه للقيم الهمجية التي يمثلها رأس السلطة باختلاف الزمان والمكان, منتصرا للارادة الجمعية الظاهرة في الخطاب البصري , حيث كانت الذات المنفردة ممثلة لها في خضم بحثها عن مستويات الاداء الداخلي الذي ينتجه الرفض , اذ ان الجمالي في تعبيره المرئي وان استعان بملامح واقعية او تقليدية للتعبير ينضوي على خطاب متمرد رافض في جوهر اشتغالاته انطلاقا من فهم الحرية ومعناها الواسع والتعامل معها على انها وسيط موضوعي يمكن ان تؤدي عبر تراكمية الى شي ء من تكريس المقولات والصيغ السلوكية وسماء الذائقة ولاطاحة بكل مفهومات الرقابة علي التعبير الفكري بالاتجاه الاخر ان التهكم من رمزية السلطة وهو يعتلي الدائرة تمثل في نظر ة الاشخاص المتفائلة نحو المستقبل وماسيؤول اليه عندما تتبدل الامكنة على الرغم من ما يحملوه من خفايا ومستور التي تعبر عنه البنة الاجتماعية الشرقية على وحه التحديد , وان اغلاق محيط الدائرة يعني اللاعودة والمجهول في الوقت ذاته على الرغم من الفضاء الامامي المفتوح , لكنه مفتوح نحو المجاهيل ايضا او نحو بوابات العذابات والالم الانساني , تلك البوابات التي يتربصها ذلك الرقيب المتبتع لحركة الشخوص , الا ان الايماءة الذي ينضوي عليه الشكل النحتي لدى جميع شخوص (ايليا) لا تشير الى اية مسرات يحملها الغد الاتي من خلال الكتلة الحجرية التي تغلق المنافذ الخلفية للدائرة وهو استشراف للمستقبل الذي يعيشه الفنان وعلاقته بمحيطه الانساني بشكل عام , وقد يكون الفنان نفسه واحد من هولاء الشخوص او هو غوص في ذات الجماعة وتحليلها للخروج منها برؤية فردية معبرة عن هذا الكم , وهنا يصبح ترحيل المعاناة الشخصية الى موضوعات تلاحق الجميع شيئا من التجسيد الجمالي الخلاق واكتشاف ماهو مسكوت عنه التعبير في عمل نحتي او اية خطاب ابداعي اخر تختفي فيه الشخصانية والذاتية المفرطة على حساب الذات الجمعية التي ينتصر لها الفنان وتعلن انتصارها عندما تتحقق الظروف الموضوعية وتفعل بشكل جمعي من اجل نحقيق اهدافها الرجوة لقد امتلك (ايليا) تقنياته الخاصة والمتعددة في انجاز طروحاته البصرية , بما يفرضه الموضوع فقد استخدم الحفر على الخشب والبرونز والكواد الاخرى في التعبير ايمانا منه بان المادة لاتشغل مساحة واسعة من تصوراته الشخصية في التعبير عن الهدف الجوهري في بحثة عن الخالص واللامرئي الذي يتمثل في الروحي والقدري بما يعزز روافده النظرية المحركة للخطاب المرئي المتفرد مقارنة بمعالجات الاخر لاتصاله بانفاق التاريخ المضيئة التي ينهل منها موضوعاته وتشكيلاته فيما يخص الارث النحتي في اعماله والمعالجات الحداثية التي فرضتها معطيات الواقع واضفاها عليها بما يعكسه الاداء الشكلي والتقني والتمثيل الموضوعي وما يفرزه التاريخ من حتميات استجاب لها الفنان في خطابه المرئي .

نشر المقال في العدد التاسع لمجلة تشكيل

DSC01052 - Copy DSC01056 DSC01057 DSC01119 DSC01141 DSC01175 DSC01179 DSC01189
image_pdfimage_print

Facebook Comments

POST A COMMENT.