سهيل سامي نادر وقرينه

بقلم / يحيى الشيخ

Suhail,Yahya

Suhail,Yahya


لطالما تهربتُ من الاجابة على سؤال يتردد دائما على السنة الفنانين ويباغت به الصحفيون ضيوفهم من المبدعين أثناء حديثهم عن تجاربهم الابداعية أو عن سيرتهم، حتى غدا أحجية تستبطن الكثير من المكر والخبث. والسؤال هو : عن ماذا تبحث ؟
بالأمس، 12 فبراير، تابعت حواراً مع “جمال الغيطاني” في إحدى قنوات التلفزيون. مقدم البرنامج كان يفتح أبواب الحديث ولا يغلقها وراح سريعا الى السؤال السرمدي : عن ماذا تبحث؟ أجابه الغيطاني : لا أعرف ! عجبا .. هل يمكن لمبدع كبير وشيوعي أن لا يعرف عن ماذا يبحث، فيما كنا نحن نبحث عن قوْتِنا في كتاباته يوما ما؟! المبدعون يحرثون حقولهم ويبدون من بعيد انهم يبحثون .. في الواقع أنهم يزرعون لا غير، وما علينا إلا إنتظار نهاية مواسمهم لندرك ماذا كانوا يفعلون.
قلت لنفسي كنّ في مكان “جمال الغيطاني” مع أني لا يمكنني أن اشغله، وأجب عن ماذا تبحث!! لملمت نفسي ورحت بعيدا في قلبي ولم أنم مرتاحا ليلتها، أبحث عن جواب صادق. عن ماذا أبحث منذ ستة وستون عاما . إكتشفت في الصباح مع كوب القهوة وبقايا نعاس وحزمة ضوء لشمس فتية وفاتنة قبالتي على الطاولة ، أنني لا أبحث عن شيء ، فأنا لم أضيّعُ شيئا، ولا أفتقدُ شيئا محدداً، ولست بحاجة لشيء بعينه.
كل ما في الأمر أنني أعرف الرسم . أعرف كيف أرسم أفكاري وأصوغ أشياءً تستهويني وأراها جميلة وأمينة لذاتها. وما دمتُ أعرف الرسم فعليّ أن أقوم به بجدارة وأن أخلق أشياء نقية مخلصة للحياة ولا تفسدها ولا تتفسخ مع الوقت. كل خلق الله يقومون بأفعال يحبونها ويجيدون فعلها وأنا منهم. كذلك أعرف الكتابة وأمارسها بالرغم من أنني أفتقر للكثير من أسرار صنعتها. أكتب ما تبوح به نفسي من دون شروط ولا قواعد لغوية. أما صيد السمك وقضاء نهارات بكاملها وقلبي مرتهن بذبذبات الخيط، فذلك هيامي حين يطوقني البحر من كل الجهات ويحاصرني من الداخل وحبات الرمل تصقل راحة قدمي… يا الله ! أعرف أن هناك أسماكاً تسبح قريبة من الطُعم غير مطمئنة له لكنها غير آبهة بي .. أنا الملتاع خارج الماء.
– عن ماذا تبحث …. إذن ؟
– هل هناك ما يُبحث عنه ؟
في أحدى قصائد شبابه المبكر كتب نيتشه : يا ليتني أموت ! هل كان، حقا ، يبحث عن الموت ساعتها، أم أنه تمناه بعدما إكتظت روحه بمعنى الوجود ولم يعد فيها مكان لشيء آخر؟ لقد إمتلأت حتى الموت.. فتمناه.
منذ عودتي من عمّان في الثامن من يناير، أجبرتني ظروف الثورة التونسية على قضاء أغلب الوقت في البيت، وهذا يعني في المرسم . كان في نيتي قبل السفر إعادة صياغة ” أهواء الغربان” بأحجام كبيرة. وكنت قد جهزت حالي من أجل ذلك فأنا في مرسم تغلب عليه حالة “مؤقت” وهذا يعذبني. أخرجت دفاتري العتيقة ورسمت خطة العمل وأعددت دراساتي، لكني أخفقت في إعداد قلبي. كان السفر الى عمّان حلا مقتضبا ينطوي على هرب مفتعل لمواجهة الأمر وأقنعت نفسي بأنه سيكون أفضل من ” أهواء الغربان ” التي جثمت على مخي منذ عقود.
– إذن ! عن ماذا تبحث هناك … يا رجل؟
– عن صديقي سهيل سامي نادر الذي فارقته منذ أربعة وثلاثين عاما.
لا يرتهن وجود سهيل في حياتي ، على نحو خاص، بعدد الأيام التي رافقته فيها، إنما بعدد المرات التي رافقتني أفكاره وهو بعيدا عني، في دروبي الطويلة المستقيمة والملتوية التي تفضي والتي لا تفضي. وأنا بعيد عنه ، لم أمض يوما في المرسم أو في الكتابة، ما لم أصادفه أمامي أو أتقاطع مع أفكاره وفي أحرج المنعطفات وأكثرها خطورة. لم نكن نفترق قبل أن أغادر العراق نهاية 1977… يا للهول ما أفدح خسارتي التي لم أقدر جسامتها قبل أن ألتقيه هذه المرة. كم فاتني منه ؟ كم فاتنا من العمر يا سهيل؟
من البديهي أن تسأل صديقك بعد فراق طويل عن سنينه الفارطة وتحكي له عن سنينك بالمقابل. بسلاسة نادرة وكمن يغرف ماءً لخص سهيل سنينه وقدمها لي .. حياة سخيفة ! قالها بمرارة. أعرف أنه لا يقصد ذاته هو بل الحياة التي أحاطته في بلاد كالعراق تحت سطوة دكتاتور يتلذذ بعذاب شعبه. لم تعد لدي من أسئلة غير كيف لي أن أختزل سنيني له بنفس البساطة واليسر .. أنا المبعثر في نفسي؟
تحول سهيل الى رمز كثيف المعنى في ذاته وأمام ذاته ، لكثرة ما شرّحها وأعاد صياغتها. سنّها على حجر الحياة العراقية الخشن والجائر في أغلب مناحيه. صقل وعيه بحجر الفلاسفة حتى غدا لفرط ذلك رهيفاً شفافاً وغائباً في وضوحه… هل أبالغ بحق صديقي؟
-أنا أكره الوضوح ….. قالها لي وهو يعرف أنه في هذا البوح يذهب الى الضفة الأخرى من الوضوح حيث الوضوح الأعظم. سهيل يعرف ما تستبطنه الكلمات فهو إبنها البار، إبن الصحافة اليومية وغيرها، في شبكة أعصابها الحية كان يعمل بانتباه لتفاصيل الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية، انتباه لا مثيل له صنع منه حجة للثقافة العراقية وضميرا حياً لها. إنه يكره الوضوح كي لا يسقط بالسهولة، يذهب الى الحقيقة من باطنها حتى يغدو أشد وضوحاً وهو يمسك بجوهرها المضيء .. التاو الذي يلوح به من بعيد لكل من يبحث عنه.
أخذت في وقتها من صديقي علي عبد الأمير عجام ، عندما قمت بزيارة بيته في عمّان، صورتين لسهيل في نية رسمه ولم يكن في خلدي تقدير ما سأرسمه. لقد رأيتُ سهيلاً يتشكل كل لحظة. يكبر بإرادته. كيان تاريخي لم تكتمل صياغته النهائية بعد . حسنا.. سأثبّتُ قماشة الرسم وعليَ قبل ذلك أن أتثبتُ من نيتي.
– عن ماذا تبحث فيه وهو غائب في وضوحه كما تقول؟
– أبحث عن قرائنه ، عليّ أن أعثر عليه هو.
– قلت أنك لا تبحث عن شيء!
– لم أعد أبحث ما دمت أنت ، أيها القرين ، تحدثني.
بدأت ملامح قرين سهيل سامي نادر تظهر على قماش اللوحة : رأس مقطوع يذكرني برأس يوحنا المعمدان في الصور الكلاسيكية. هل ينتمي سهيل الى هذا النبي بصيغة ما ؟ لا أعرف. رأس ملفوف بجريدة يستقر على يسار طاولة ضيقة بعض الشيء، متبرماً، ناقماً، يزم شفتيه كمن أتعبه الكلام، بنظرة ثاقبة ينظر الى اليمين حيث يجلس سهيل عند طرف الطاولة الآخر يسند عليها مرفقه وخده على راحة يده يتأمل الرأس الملفوف بجريدة.. ينظر الى قرينه بهدوء تام. يدرسه عن كثب. إنه رأسه منزوعا عن كتفيه عنوة. على الطاولة، بينهما ، بيضة دجاجة . يبدو أن أحدهما قد وضعها ليتهم ألآخر ويورطه بقضية مازالت مثار جدل حتى اليوم مفادها: أيهما الأول أو الأصل؟ الحائط خلفهما محايد، من منتصفه حتى اليسار تماما ، يقع رف ضيق جدا، على طرفه الأيسر، تقريبا في وسط اللوحة، رأس مقطوع آخر، إنه نسخة من رأس القرين إنما أصغر بقليل وأكثر تسامحا ، يراقب سهيل وهو يتأمل قرينه ويحصي خلجاته. في الطرف الأيسر للرف شمعدان بثلاثة رؤوس من غير شموع. المسافة بين الشخوص الثلاثة محسوبة وكافية لحسابات العمر بدون استثناء، وفيها فرص متاحة لتذوق الفراغ . مسافة نضيع فيها، فيما يعثرون هم على انفسهم. كم مرة ضعنا في المسافة بين الأخرين وعثرنا على انفسنا على هامش انفسنا مخذولين دون ذنب؟ من خذل الآخر فينا ؟ الكل يرفع يديه البيضاء عاليا بريئا من دم أخيه. من أكل يوسف غير الذئب؟ لزاما عليّ أن أحيل اللوحة الى مختبر فرويدي لتقدير حالتها النفسية قبل البت في قيمتها. فهي ليست سريالية ولا رمزية ولا خرافية ولا …. انها حقائق قطّعها وعبث في ترتيبها أحد ما… أحد الأقران ولا أشك !!!
علمني اشتغالي في فن الكرافيك طيلة حياتي وتعاملي مع مواد قاسية وحارقة أن أكون يقظا وواعيا لما أقوم به أثناء العمل, فكنت أجمد حواراتي مع العالم ومع نفسي ، فخطأ واحدٌ يكلفني ضياع اللوحة برمتها. في هذه اللوحة ” سهيل سامي نادر وقرينه ” دون غيرها بتاتا ، قضيت قرابة شهر وفي أوقات دون حساب، وأنا أضحك وحدي وأحدث نفسي كما يفعل مريض الشيزوفرينيا، وأتخيل سهيل ماذا سيقول لو شاهدها.. ربما يشتمني بدماثة على عادته مع أصدقائه الذين يحبهم ويعرف أنهم يحبونه.
سوسة 14 فيفري 2011
www.alsheikhart.net
( الموضوع نشر في العدد التاسع لمجلة تشكيل )

image_pdfimage_print

Facebook Comments

POST A COMMENT.